محمد محفوظ
67
تراجم المؤلفين التونسيين
دقائق الحكمة مفتاح كنوزها « 1 » . واستمر مثابرا بجد على التدريس والإفادة إلى أن لحق بربه في جمادى الأولى سنة 1204 / 1789 . وكان - رحمه الله - عفيفا ديّنا بعيدا عن مواطن الشبهات ، مائلا إلى العزلة ، غير راغب في تولي المناصب مثل القضاء ، قال الشيخ محمود مقديش : « وكان - رحمه الله - ذا همة وعفة وصيانة قد سدّ أبواب الطمع عن جميع الخلق في متاع الدنيا وارتفع عن المناصب كلها ، طلبه أهل بلده في تولي القضاء فأبى ، فكتبوا فيه وثيقة بأنه اللائق بنا فأبطل جميع ما عملوه فولّوا الشيخ كمون . ولما احتمى من القضاء ألزموه التدريس في الجامع الأعظم فأسعفهم وجعلوا له مرتبا يستعين به من المجابي المخزنية فأبى أن يقبله فلقيه شيخنا بو عصيدة « 2 » وقال « مالك امتنعت من المرتب وهو إعانة ؟ » . فقال : « هو من المجابي وأكثرها ظلم ، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به » « 3 » . فباسطه وقال له : « خذه فحما واجعله تحت القدر » فقال : « هو استعانة والاستعانة لا تكون إلا بالله وما أذن الله فيه » فجعلوا له من الجزية فرضيه ، وكذا جعل له شيء من زكاة الحبوب يقتاته هو وعياله وكان صابرا على الشدائد حتى وسّع الله عليه بالكفاف ، وكان مائلا إلى الخمول جدا ولا يصلي إماما إلّا في مسجد مهجور احتسابا فسألناه عن ذلك فقال : « لإحياء بيت من بيوت الله هجره الناس لقلة ما يعود عليهم فيه من الدنيا » . ولا يعرف للأمراء بابا ولو للشفاعة لأن الزمان قد فسد ، وبطل عند أهله شفاعة الشافعين فوقوف « 4 » العالم على أبوابهم لا فائدة فيه فلذا نبذهم ظهريا ، وجعلهم نسيا منسيا ، والتحدث بهم شيئا فريا . وكان أولا قد تحمل بعض الشهادات ، فلما كثر « 5 » طغيان العامة على بعض المنتصبين لعمل الشهادة أعرض عن ذلك تعففا وتكرما . . . وكان ممن سلم « 6 » المسلمون من لسانه ويده ، كثير الانجماع في بيته لا يخرج إلا لدرس يقرؤه أو لزيارة الصالحين والأقربين « 7 » .
--> ( 1 ) نزهة الأنظار 2 / 197 198 . ( 2 ) هو رمضان بو عصيدة من تلامذة الشيخ علي النوري ( ت بعد سنة 1170 / 1757 ) كان مقرئا مفسرا واعظا أديبا شاعرا كفيف البصر . انظر نزهة الأنظار 2 / 169 - 170 ، شجرة النور الزكية 346 - 347 . ( 3 ) يشير إلى الحديث الشريف : كل لحم - وفي رواية كل جسد - نبت من سحت فالنار أولى به . رواه أبو نعيم الأصبهاني في « حلية الأولياء » 1 / 31 عن أبي بكر الصديق ، والطبراني في الكبير ، وفي سند الحديث عبد الواحد بن واصل ، أورده الذهبي في « الضعفاء » وقال : ضعفه الأزدي ، وعبد الرحمن بن زيد ، قال البخاري والنسائي : متروك ، انظر فيض القدير للمناوي 5 / 17 - 18 . ( 4 ) في الأصل بوقوف . ( 5 ) في الأصل طغى . ( 6 ) في الأصل من أسلم . ( 7 ) نزهة الأنظار 2 / 198 .